الجصاص
125
أحكام القرآن
باب الوصية بجميع المال إذا لم يكن وارث قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد : " إذا لم يكن له وارث فأوصى بجميع ماله جاز " ، وهو قول شريك بن عبد الله . وقال مالك والأوزاعي والحسن بن صالح : لا تجوز وصيته إلا من الثلث " . قال أبو بكر : قد بينا دلالة قوله تعالى : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) [ النساء : 33 ] وأنهم كانوا يتوارثون بالحلف ، وهو أن يحالفه على أنه إن مات ورثه ما يسمى له من ميراثه من ثلث أو أكثر ، وقد كان ذلك حكما ثابتا في صدر الاسلام وفرضه الله تعالى بقوله تعالى : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) [ النساء : 33 ] ثم أنزل الله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) وقوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) وقوله تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) [ الأنفال : 75 ] ، فجعل ذوي الأرحام أولى من الحلفاء ، ولم يبطل بذلك ميراث الحلفاء أصلا بل جعل ذوي الأنساب أولى منهم كما جعل الابن أولى من الأخ ، فإذا لم يكن ذوو الأنساب جاز له أن يجعل ماله على أصل ما كان عليه حكم التوارث في الحلف . وأيضا فإن الله تعالى أوجب سهام المواريث بعد الوصية بقوله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) ، وقال : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) ، وقد بينا أن ظاهر قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) يقتضي جواز الوصية بجميع المال ، لولا قيام دلالة الاجماع والسنة على منع ذلك ووجوب الاقتصار بها على الثلث وإيجاب نصيب الرجال والنساء من الأقربين ، فمتى عدم من وجب به تخصيص الوصية في بعض المال وجب استعمال اللفظ في جواز الوصية بجميع المال على ظاهره ومقتضاه ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد : " إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " ، فأخبر أن منع الوصية بأكثر من الثلث إنما هو لحق الورثة . ويدل عليه حديث الشعبي وغيره عن عمرو بن شرحبيل قال : قال عبد الله بن مسعود : " ليس من حي من العرب أحرى أن يموت الرجل منهم ولا يعرف له وارث منكم معشر همدان ، فإذا كان ذلك فليضع ماله حيث أحب " ، ولا يعلم له مخالف من الصحابة . وأيضا فإنه لا يخلو من لا وارث له إذا مات من أن يستحق المسلمون ماله من جهة الميراث أو من جهة أنه مال لا مالك له فيضعه الإمام حيث يرى ، فلما جاز أن يستحقه الرجل مع ابنه ومع أبيه والبعيد مع القريب علمنا أنه غير مستحق لهم على وجه الميراث ، لأن الأب والجد لا يجتمعان في استحقاق ميراث واحد من جهة الأبوة . وأيضا لو كان ميراثا لم يجز حرمان واحد منهم ، لأن سبيل الميراث أن لا يخص به بعض الورثة دون